العيني

318

عمدة القاري

كما جمعوا ليلاً على ليالي ، وقد جاء في الشعر : * أهال مثل : فرخ وأفراخ * وأنشد الأخفش : * وبلدة ما الأنس من أهالها * ترى بها العوهق من وائالها * ومنزل أهلَّ به أهله ، وقال ابن السكيت مكان مأهول فيه أهله ، ومكان آهل له أهل ، وقال ابن عباد : يقولون : هو أهلة ، لكل خير بالهاء ، والفرق بين الأهل والآل أن : الآل يستعمل في الأشراف : وفي ( العباب ) : آل الرجل : أهله وعياله ، وآله : أيضاً أتباعه . قال تعالى : * ( كدأب آل فرعون ) * ( آل عمران : 11 ، الأنفال : 52 و 54 ) وقال ابن عرفة : يعني من آل إليه بدين أو مذهب أو نسب ، وآل النبي صلى الله عليه وسلم : عشيرته . وقال أنس رضي الله عنه : ( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : مَن آل محمد ؟ قال : كل تقي ) . قلت : هو واوي ، فلذلك ذكره أهل اللغة في باب أول . قوله ( يحتسبها ) من الاحتساب وقد فسرناه عن قريب . قوله ( صدقة ) وهي : ما تصدقت به على الفقراء . بيان الإعراب : قوله : ( إذا ) كلمة فيها معنى الشرط و : ( انفق الرجل ) جملة من الفعل والفاعل فعل الشرط ، قوله : ( على أهله ) يتعلق بانفق . قوله ( يحتسبها ) جملة فعلية مضارعية وقعت حالاً من : الرجل ، والمضارع إذا وقع حالاً وكان مثبتاً لا يجوز فيه الواو على ما عرف . قوله ( فهو له صدقة ) جواب الشرط ، فلذلك دخلت فيها الفاء . قوله ( فهو ) مبتدأ . والجملة ، أعني قوله ( له صدقة ) ، خبره فقوله : صدقة ، مبتدأ و : له ، مقدماً خبره ، والضمير أعني : هو ، يرجع إلى الإنفاق الذي يدل عليه قوله ( أنفق ) ، كما في قوله تعالى * ( اعدلوا هو أقرب للتقوى ) * ( المائدة : 8 ) أي : العدل أقرب إلى التقوى . بيان المعاني : في قوله : ( إذا أنفق ) ، حذف المعمول ليفيد التعميم ، والمعنى : إذا أنفق أي نفقة كانت صغيرة أو كبيرة ، وفيه ذكر : إذا ، دون إن ، لأن أصل : إن ، عدم الجزم بوقوع الشرط ، واصل : إذا ، الجزم به ، وغلب لفظ الماضي مع : إذا ، على المستقبل في الاستعمال ، فإن استعمال : إذا أكرمتني أكرمتك ، مثلاً ، أكثر من استعمال : إذا تكرمني أكرمك ، لكون الماضي أقرب إلى القطع بالوقوع من المستقبل ، نظراً إلى اللفظ لا إلى المعنى ، فإنه يدل على الاستقبال لوقوعه في سياق الشرط ، وفيه التنبيه بالحال لإفادة زيادة تخصيص له ، فكلما ازداد الكلام تخصيصاً ازداد الحكم بعداً ، كما أنه كلما ازداد عموماً ازداد قرباً ، ومتى كان احتمال الحكم أبعد كانت الفائدة في إيراده أقوى . قوله ( يحتسبها ) أي : يريد بها وجه الله ، والنفقة المطلقة في الأحاديث ترد إلى هذا الحديث وأمثاله المقيد بالنية ، لحديث امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، وامرأة من الأنصار وسؤالهما : اتجزىء الصدقة عنهما على أزواجهما وأيتامهما ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لهما أجران : أجر القرابة ، وأجر الصدقة ) . وقول أم سلمة رضي الله عنهما : ( هل لي أجر في بني أبي سلمة أنفق عليهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم لك أجر ما أنفقت ) . وقال القرطبي : في قوله : يحتسبها ، أفاد بمنطوقه أن الأجر في الإنفاق إنما يحصل بقصد القربة واجبة أو مباحة ، وأفاد بمفهومه أن من لم يقصد القربة لم يؤجر ، لكن تبرأ ذمته من الواجبة لأنها معقولة المعنى . بيان البيان : فيه إطلاق النفقة على الصدقة مجازاً ، إذ لو كانت الصدقة حقيقية كانت تحرم على الرجل أن ينفق على زوجته الهاشمية ، ووجود الإجماع على جواز الإنفاق على الزوجات الهاشميات وغيرها قام قرينة صارفة عن إرادة الحقيقة ، والعلاقة بين الموضوع له وبين المعنى المجازي ترتب الثواب عليهما وتشابههما فيه ، فإن قلت : كيف يتشابهان وهذا الإنفاق واجب ، والصدقة في العرف لا تطلق إلاَّ على غير الواجب ، اللهم إلاَّ أن تقيد بالفرض ونحوه ؟ قلت : التشبيه في أصل الثواب لا في كميته ولا كيفيته . فإن قلت : شرط البيانيون في التشبيه أن يكون المشبه به أقوى ، وههنا بالعكس ، لأن الواجب أقوى في تحصيل الثواب من النفل . قلت : هذا هو التشابه لا التشبيه ، والتشبيه لا يشترط فيه ذلك ، وتحقيق هذا الكلام أنه إذا أريد مجرد الجمع بين الشيئين في أمر ، وأنهما متساويان في جهة التشبيه : كعمامتين متساويتين في اللون ، فالأحسن ترك التشبيه إلى الحكم بالتشابه ، ليكون كل واحد من الطرفين مشبهاً ومشبهاً به احترازاً من ترجيح أحد المتساويين من جهة التشبيه على الآخر ، لأن في التشبيه ترجيحاً ، وفي التشابه تساوياً . ويجوز التشبيه أيضاً في موضع التشابه ، لكن إذا وقع التشبيه في باب التشابه صح فيه العكس ، بخلافه فيما عداه ، وكان حكم المشبه به على خلاف ما ذكر من أن حقه أن يكون أعرف بجهة التشبيه من المشبه ، وأقوى حالاً ، كتشبيه غرة الفرس بالصبح وعكسه ، فيقال : بدا الصبح كغرة الفرس ، وبدت غرة الفرس كالصبح ، متى أريد بوجه الشبه ظهور منير في سواد أكثر منه مظلم ،